| آلاف الرهبان شاركوا في المظاهرات |
عصام زيدان
الخبر:
دهمت قوات الأمن في ماينمار (بورما سابقا) معبدا في بلدة أوكالابا الشمالية القريبة من العاصمة رانغون لمنع الرهبان من المشاركة في المظاهرات الاحتجاجية المناهضة للحكومة العسكرية في البلاد، واعتقلت أربعة منهم.
التعليق:
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتخلى فيها الرهبان في ماينمار عن معابدهم وطقوسهم ويخرجون في ثورة يقودون بها جموع الشعب في مواجهة الطغيان العسكري الجاثم فوق صدر البلاد منذ العام 1962بعد انقلاب على الحكومة المدنية.
فقد ثار أولئك الرهبان من قبل على الاحتلال البريطاني لبلادهم الذي استمر من العام 1886 حتى 1948، وكانوا خلالها رمزا للمقاومة التي تقود الشعب للتحرر من نير الاستعمار الأبيض الغاشم.
وهذا الدور النشط لعبده بوذا في مواجهة الطغيان السياسي للعسكر، ومن قبله الاحتلال البريطاني أثارت في النفس مشاعر مختلطة لعل أهمها ذلك التشجيع الغربي على "ثورة دينية" وحمايتها من بطش العسكر هناك، وهي تلك الجبهات التي ما فتئت تحذر من رغبة الإسلاميين في بلادهم من اعتلاء السلطة، ووقف سيل الاستبداد والقهر فيها، لا من خلال الثورة بل من خلال صناديق الاقتراع التي تعبر عن رغبة الأمة، وليس الحصار الخانق على حركة حماس ببعيد عن بصر المتابع لمجريات الأحداث.
الغرب في تناقضاته تلك التي تشجع "ثورة بوذية" في بورما ويرفع عقيرته مطالبا بفصل الدين عن الممارسة السياسية فقط في بلاد العرب والإسلام يقع في محاولة مكشوفة لتحييد الإسلاميين عن المشاركة في صنع مستقبل بلادهم، و يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن دفاعه عن الديمقراطية وتشدقه المستمر بالحرص على الحرية ما هي إلا غطاء يخفى ورائه توجهات أيديولوجية لا تريد أن تسمع للإسلاميين همسا أو ترى لها أثرا.
ومن بين تلك المشاعر التي تختلج في النفس من وراء تلك الثورة البوذية، ذلك الفشل الذي يلاحق الشيوعية في كل مكان وطئته من قبل، وأفول الفلول المتبقية منها والمتناثرة في بعض الدول، حتى أنها تقابل بذلك الرفض حتى من قبل البوذيين!!
بل وتفشل الشيوعية خلال السنوات العجاف التي سيطرت فيها على البلاد ومارست فيها كل ألوان القمع والإذلال من انتزاع الرفض من عقول شعب بورما وتطويعه لإرادتهم وقبضتهم الفولاذية الآخذة في التراخي.
أكثر ما يثير الانتباه هو الدور الذي يمكن أن يلعبه المعتقد وأثره في تشكيل الذهنية التي ترفض الخضوع والانقياد لطغمة فاسدة تقود البلاد إلى حتف انفها، بل وتقود أيضا جموع الشعب لمواجهة هذه الثلة الفاسدة بعدما تواري دور السياسيين رغبة تارة ورهبة أخرى.
ليس في علمنا أن تعاليم بوذا فيها الثورة على الطغيان والفساد، ولجم الذين يقودون البلاد للهاوية، والخروج في تظاهرات مناهضة برؤؤس حليقة واثمال بالية..ولسنا نعلم أن بوذا أراد أن تكون الأديرة التي تضم في كنفاتها أولئك الرهبان الثائرون موطنا للثورات وتقويم الاعوجاج في مسار البلاد السياسي.
كل ذلك لا نعلمه من تعاليم بوذا، ولكننا نعلمه يقينا من ديننا الحنيف الذي جعل كلمة الحق في مواجهة الجور والطغيان والاستبداد من أعلى مراتب الشهادة..وجعل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب يثنى على الله بالحمد أن جعل في الأمة من يقومه بالقوة إن اعوج عن الطريق..وجعل المسجد المنبر الذي يخرج القائد العسكري المهاب إلى جوار طالب العلم الحصيف، ويخرج السياسي المحنك مع الخاشع العابد.
كل ذلك علمناه ونعلم غيره الكثير عن الإسلام، فلماذا تراجع إذن دور العلماء في قيادة الأمة في أزماتها المتلاحقة؟ ولماذا فقد المسجد دوره الريادي في كافة المجالات واكتفى بكونه موطنا لأداء الصلوات الخمس، وبعض المواعظ في حين نشط رهبان بوذا قي ثورة إصلاحية؟!
لست بصدد المقارنة بين البوذية والإسلام، فلا سبيل ولا مجال للمقارنة بين دين سماوي هو خاتم الشرائع التي رضيها الله لعبادة وبين وثنية أرضية ضالة ومنحرفة، ولكن الإشكالية كامنة في التواري والتغافل عن المصالح الكلية للأمة والدفاع عن حرماتها المنتهكة وأمراضها الفتاكة وفي مقدمتها الطغيان الذي من جرائه تآكلت الحرية الفردية والجماعية وأصبح الحديث عنها من باب الترف الذي يجر من ورائه الكثير من المتاعب والآلام.
قد تنتفض أقلام كثيرة، وتهتز صفحات الجرائد والمجلات، وتمتلئ مئات المواقع الالكترونية بالحديث عند واقعة انتهاك عرض لامرأة تسير في الطرقات، وهو أمر جد عظيم، جدير بالإنكار، ولكنها ذات الأقلام التي يجف مدادها ولا تحرك ساكنا وهي ترى الأمة مشرقها ومغربها قد انتهكت حرماتها بفساد أزكمت رائحته الأنوف، وطغيان أخذ بتلابيبها ممسكا دون فكاك.
الأمة في حاجة إلى "رهبان" نعم بالليل هم كذلك و بالنهار "فرسان" تنتفض قلوبهم وجوارحهم عندما تنتهك حرمات الأمة، وما أكثرها، كما تنتفض أقلامهم وآرائهم عندما تنتهك حرمات الأفراد الحسية..أولئك الذين يؤمون الناس ويبصرونهم بحقوقهم وحريتهم المسلوبة والمنتهكة إلى جوار إمامتهم في الصلاة لرب العالمين سواء بسواء.
لسنا بالتأكيد دعاة ثورة، ولكن الأمة تنتظر من دعاتها أن يأخذوا بأيديها لنهضة حكيمة رشيدة ترى في الفساد والاستبداد كبائر مجتمعية ودينية جديرة بالمبارزة والإنكار.



















